مسقط في 5 ديسمبر 2025 /العُمانية/ يُعَدُّ العمل التطوعي من أهم العناصر التي تُسهم في تنمية المجتمعات وتعزيز الروابط الاجتماعية بينها، ويعبّر عن التفاعل الاجتماعي والإنساني الذي يسهم في بناء علاقات وثيقة بين الأفراد، مما يقوي نسيج المجتمع ويعزز روح التضامن.
فقد أثبتت العديد من الشخصيّات وجودها في ساحة الأعمال التطوّعية، ولازالت تندرج الأسماء في القائمة لتنتشر ثقافة العمل التطوّعي بشكل أكبر في الكثير من المجالات في المُجتمعات ككُل، ليبقى أثرها حاضرًا ومُستمرًا لسنوات جيل بعد جيل.

وقالت منى بنت محمد العوفية ناشطة اجتماعيّة في مجال التطوّع في حديث لوكالة الأنباء العُمانية: "بدأت في العمل التطوّعي في سنٍ مبكر في أحد المساجد الموجودة في الولايات المُتحدة الأمريكية، وبعدها عُدت الى بلدي سلطنة عُمان لأُكمل مشواري في هذا المجال بتثقيف وتوعية النساء في المُجمعات الصحيّة، وبعدها انطلقت وتوّسعت بشكل أكبر بالمشاركة في الفرق التطوّعية والجمعيات الخيريّة".
وأضافت أن عملها في مجال التطوع مستمر منذ أكثر من 30 سنة في المجال التطوّعي والخدمة المُجتمعيّة الإنسانيّة، وتُدير في الوقت الحاليّ فريق "أثرٌ يبقى" لأكثر من 8 سنوات، كما انّها مُتطوّعة لأكثر من 22 سنة في الجمعيّة العُمانيّة للسرطان.
وأوضحت العوفية بقولها: "كُل عمل تطوّعي يمنحني الثّقة في التعامل مع النّاس والمُجتمع ككُل، ويُضيف لي خبرة أكبر في الحياة"، مشيرة إلى أن تطوّعها في جائحة كورونا ومُشاركتها مع وزارة الصّحة كان تحدٍّ كبير في مواجهة مرض خطير ومُميت من خلال مُتابعة المُتطوّعين ودخول المواطنين والمُقيمين لأخذ التحصينات، كما أنّها أشارت إلى الأثر الكبير الذي يمنحها التطوّع في الجمعيّة العُمانيّة للسرطان في حياتها وعلاقتها مع المُجتمع وأفراده".
وأكدت العوفية أنّ العمل التطوّعي في سلطنة عُمان في تطوّرٍ مُستمر، وانتشار ثقافة التطوّع أصبحت أكبر وأوسع، والوعي بأهميّة هذا الجانب على الفرد بشكلٍ خاص وعلى المُجتمع بشكل عام يشهد تقدمًا واضحًا، وأفراد المُجتمع يسعون جاهدين في المُشاركات التطوعيّة بشتّى مجالاته.
وأوضحت: "في بعض الحالات نحتاج إلى التثقيف والتوعية عن الأعمال التطوّعية والمبادرة الإنسانيّة حتى ينشئ لدينا جيل مُحب ومُلهم في هذا الجانب، فعلينا غرس حُب العمل التطوّعي منذ الصغر في الأجيال القادمة".
وقالت منى بنت محمد العوفية إنّ القيمة الإنسانيّة تكمُن في العمل النابع من القلب لوجه الله سبحانه وتعالى وتعزيز الشعور بالإنسانيّة وترسيخ المسؤوليّة المُجتمعيّة والأخلاقيّة تجاه الآخرين وحُب روح التكافل والتعاون بين أفراد المُجتمع.

من جهته قال خالد بن مال الله البطاشي ناشط اجتماعيّ في مجال التطوّع في حديث لوكالة الأنباء العُمانية: إن العمل التطوّعي هو أحد أهم المساحات التي تصنع فارقًا في شخصيّة الإنسان ومُجتمعه، مشيرًا إلى أن رحلته التطوّعية بدأت من خلال الكشّافة، حيث تعلّمت معنى المسؤوليّة والالتزام وروح الفريق، واكتسبت خبرات متعددة في تنظيم الفعاليات وإدارة المجموعات والتعامل مع مختلف الفئات، ثم واصلتُ المُشاركة في عدّة فرق تطوّعية كانت لها بصمة كبيرة في تطوير مهاراتي وتوسيع دائرة معرفتي بالمُبادرات المُجتمعيّة.
وأضاف البطاشي : "ما يدفعني للاستمرار في العمل التطوّعي هو القناعة العميقة بأن خدمة المُجتمع قيمة إنسانيّة تتجاوز حدود الوقت والجُهد، وتصنع تأثيرًا حقيقيًّا في حياة الآخرين، فأجد في العمل التطوّعي مساحة لتحقيق رسالتي الشخصيّة لأكون جزءًا من التغيير الإيجابي، خاصة عندما أرى نتائج الجُهد تنعكس مساعدةً أو طمأنينةً أو دعمًا لفئة تحتاجها أو عند ترك بصمة ايجابيّة للتطوّع، كما يمنحني التطوّع شعورًا بالانتماء، ويقوّي ارتباطي بمُجتمعي، ويجعلني أكثر تقديرًا للتجارب الإنسانيّة المُختلفة".
وعن اللحظات التي يصنعها العمل التطوّعي والتي بقت فارقًا حقيقيًا في حياة البطاشي يقول: "كانت هناك لحظات كثيرة شعرت فيها أنني صنعت فرقًا حقيقيًا، ولكن أكثرها رسوخًا في ذاكرتي هي تلك التي عشتها خلال تطوعي في جائحة كورونا، أدركت حينها أننا لا نقدّم خدمة فقط، بل نحمي مُجتمعًا بأكمله ونخفّف من خوفه وقلقه".
وأكّد البطاشي على أنّ وعي الشّباب اليوم بأهميّة العمل التطوّعي أصبح أكبر، حيث يدرك الكثير من الشّباب أن التطوّع ليس مُجرد نشاط جانبيّ، بل مسؤوليّة مُجتمعيّة وفرصة لتطوير الذات واكتساب المهارات، كما أصبحوا أكثر استعدادًا للمُشاركة في المُبادرات، خاصّة في الأزمات والفعاليات الوطنيّة".
وأضاف: "مع انتشار المنصّات التطوعيّة والهيئات التي تهدف إلى جمع وتنظيم الجهود بشكل أفضل وأسهل أصبح الشّباب أكثر وعيًا بقيمة أثرهم، وأكثر رغبة في أن يكون لهم دور فعّال في خدمة المُجتمع وأن يتركوا أثرًا طيبًا في المُجتمع".
وأشار إلى أنّ العمل التطوعيّ ليس مُجرد وقت تبذله، بل هو أثرٌ تتركه، وابتسامة ترسمها، وأملٌ تبثّه في قلوب الناس والمُجتمع، ويزرع داخل الفرد قيمًا تبقى معك طوال حياتك.

من جانبها أوضحت لبنى بنت زهران المعمرية ناشطة اجتماعيّة في مجال التطوّع أن العمل في المُبادرات التطوعيّة الوطنيّة تعزز ثقافة العمل المُجتمعي وتمكين الشّباب من مُمارسة دورهم في خدمة المُجتمع.
وأكدت المعمرية أن البدايات البسيطة تقود إلى إنجازات كبيرة، فتقول: "بدأت رحلتي في العمل التطوّعي منذ عام 2016، وكانت البداية بسيطة جدًا، ورغم بساطتها إلا أنّها كانت تلك نقطة تحوّل بالنسبة لي".
وأضافت بقولها: "لاحقًا انضممت إلى فريق تطوّعي كرئيسة لجنة الإعلام وبعدها قائدة الفريق، ومن أبرز أعمالنا آنذاك زيارة مرضى السرطان في المستشفى، وتقديم الدعم المعنويّ لهم وإهداء الأطفال بعض الهدايا، هذه التجارب البسيطة تركت فيني أثرًا إيجابيًا عميقًا، ومن خلالها أدركتُ أنّ التطوّع يمنحك أكثر مما تعطي، ويُضيف لك قيمًا وتجارب لا تُنسى، ومن وقتها أصبح جزءًا ثابتًا في حياتي".
وتطرقت لبنى بنت زهران المعمرية إلى أبرز مشاركاتها التطوّعية وأثرها المُمتّد على المدى البعيد من ضمنها مشاركتها السنويّة في فعاليات المسير السنويّ للتضامن مع مرضى السرطان، والمُبادرة الوطنيّة للتوعيّة الصحيّة التي تنظّمها الجمعيّة العُمانيّة للسرطان.
وترى المعمرية أنّ وعي الشّباب تجاه التطوّع يشهد تطورًا ملحوظًا، فالشّباب اليوم أكثر إدراكًا لقيمة التطوّع، ليس فقط كعمل خيريّ، بل كمساحة للتعلّم وبناء الخبرة وتعزيز المهارات.
وأضافت بقولها: "من أبرز الأمثلة على هذا الوعي، كان تكاتف الشّباب خلال إعصار شاهين، حيث تحرّك عدد كبير منهم بشكل مُنظّم لمُساعدة المتضررين، سواء من خلال تقديم الدعم اللوجستي، أو التنسيق مع الجهات الرسميّة، هذا النوع من المُبادرات يبرهن أن الشّباب اليوم لديهم حسّ عالٍ بالمسؤوليّة وروح المُبادرة، ويقدّرون العمل الجماعيّ بفعاليّة كبيرة لخدمة المُجتمع في أصعب الظروف".
وقالت: "التطوّع لا يشترط خبرة أو إمكانيات كبيرة، فهو يحتاج فقط إلى نيّة صادقة ورغبة حقيقيّة في خدمة الآخرين، مع كل تجربة ستكبر المهارات، وتتسع الدوائر، وتصل إلى عالم جديد مليء بالفُرص والعلاقات والذكريات التي تُصنع بحُب".
/العُمانية/
ابتسام الحضرمية
