الأخبار

حكاية القهوة ….. من الشجرة إلى الفنجان
حكاية القهوة ….. من الشجرة إلى الفنجان

مسقط في 10 مايو /العُمانية/ اجتمع العالم على حب النبتة الحمراء /القهوة/ فمنها أكثر المشروبات استهلاكا؛ فلا تكاد تخلو حضارة أو تجمع بشري من تقليد لشربها، لكنه اختلف في تاريخها فتاريخها يكتنفه الغموض وقد نسجت حول ذلك الكثير من الأساطير والحكايات وأول ذكر لها يرجع إلى القرن الـ 15 الميلادي،فهناك من يقول إن الفضل في اكتشافها يعود إلى العرب، وهناك من يدعي أن القبائل الأفريقية كانت تأكل ثمرة القهوة كالمكسرات … بينما تشير مصادر أخرى إلى أنها كانت تشرب في التكايا الصوفية.

 

وجاء نبات القهوة كهبة من الطبيعة للإنسان وظلت ثمارها قرونا عدة وتشير إحدى الروايات إلى أن قصة القهوة بدأت في غابات كافا المطيرة في أثيوبيا حين لاحظ راعي ماعز يدعى / كالدي / على غنمه النشاط والحيوية فراقب ما تأكله، ليجد أنها ثمار حمراء تشبه الكرز، فقررا حينها أن يحمل حفنة منها ويتجه لدير أحد الرهبان، الذي بدوره ألقى الثمار في النار لتسلل من فورها رائحة القهوة لتعلن بذلك اكتشاف أشهر مشروب في كوكبنا.

 

ومن تلك اللحظة اهتم الأثيوبيون بالنبتة بالغ الاهتمام إلى أن أصبح مصدر رزقهم يعتمد عليها فالقهوة الأثيوبية المعروفة باسم "بونا دابو ناو" تعني "القهوة هي خبزنا"، كما يعتمد السكان في عملهم على زراعة القهوة إذ يشارك ما يقارب 12 مليون شخص في زراعتها.

وتنتج أثيوبيا ما يتراوح بين 6 إلى 10 آلاف نوع من القهوة، ولكن قهوة أرابيكا أكثر أنواع القهوة انتشارا في أثيوبيا وتمثل حوالي 70% من إنتاج القهوة في العالم، وتعود أصولها أيضا إلى أثيوبيا ويُعتقد أنها أول أنواع القهوة التي تمت زراعتها.

وتتميز القهوة الأثيوبية بقوام خفيف إلى متوسط، وحموضة منخفضة إلى حد ما، ونكهات الفواكه أو زهرية زاهية حسب المنطقة التي تزرع فيها وطريقة المعالجة، ويستخدم سكان منطقة كافا، جذور الزنجبيل أو القرفة في قهوتهم وتفضل بعض الجاليات المسلمة في منطقة كافا إضافة الملح إلى القهوة بدلا من السكر أو وضع ملعقة صغيرة من الزبد في فنجان القهوة.

 

ومن القارة السمراء إلى آسيا وأول من شربها منيهم، هم أبناء الجزيرة العربية وبالتحديد اليمنيين بقهوتهم المعروفة باسم الموكا، قهوة مدينة المُخا الساحلية جنوب اليمن، حيث طبخت حبوب البن لأول مرة بعد تحميصها وطحنها.

 

وطريقة عملها تختلف عن اليوم إذ تحمص بذور البن (الموكا) بعد طحنها ومن ثم تُغلى ويضاف عود من القرفة إلى مائها، ومن ثم أضاف البولند الحليب إلى الموكا، وجعلها الأوربيون قهوة إيطالية.

قديما كان يشترط على التجار سلق حبات البن قبل بيعها حرصًا ألا تتسرب زراعتها خارج حدود اليمن إلى أن تمت أول صفقة لبيع البن اليمني للهند عام 1628م عن طريق تجار نيذرلانديين، ويُنعت القرن السابع عشر بـ "الذهبي" في حياة المخا.

في بداية نشوء القهوة كان الناس يأخذون قشرة النبتة ويغلونها دون البذرة التي تسمى البن وسميت هذه الطريقة بالقهوة القشرية وبعد ذلك تم غلي البذور والقشرة معًا وسميت بالقهوة البنية.

أما بالنسبة لمن أدخل القهوة على المنطقة العربية فهناك من يقول إن الفضل يرجع إلى محمد بن سعيد الذبحاني الذي يقال إنه حمل البن إلى عدن ومنها انتقلت عبر البحر الأحمر إلى مصر

أما الرواية الأخرى فتقول بأنه الصوفي اليمني علي بن عمر الشاذلي الذي تصوف في مصر على الطريقة الشاذلية، أما الأخر فهو أبو بكر بن عبد الله الشاذلي العيدروس وعرف بـ "مبتكر القهوة".

يسمي أهل الجزائر القهوة بـ "الشاذلية" نسبة لأبي بكر الشاذلي وفي دمشق حين يأخذ صاحب البيت إبريق القهوة من على النار يسكب الفنجان الأول في الأرض لأنه "حصة الشاذلي" لاعتقادهم أنه هو من ابتدع شرب القهوة.

وللقهوة تأثير كبير على المستوى الاجتماعي، فقديمًا كان يتحتم عليك إذا استقبلت الضيف أن تذبح الذبائح وتقيم الولائم ولكن بعد دخول القهوة أصبح فنجانٌ منها مؤدٍّ لواجب الضيافة فهو لا يكلف مالا ولا جهدا في إعدادها.

في السابق وقبل أن تدخل المقاهي للعالم العربي كان فضاء اللقاء مع الأخرين مقتصرا على العمل والمساجد وهما النطاق الوحيد الذي يتقابل فيه العامة ويتبادلون الحديث خارج نطاق البيت، لكن المساجد هي مكان العبادات وتلقي الدروس الدينية ولا يستحب الحديث داخلها عن الشؤون اليومية، وفي ذاك الوقت لم تكن المطاعم أيضًا شائعة وهكذا، أمام فضاء عام محدود للغاية، جاء المقهى ليسد فراغ حقيقي.

فلقاء ثمن فنجان قهوة، تستطيع الجلوس والاستماع إلى الحكواتي ومعرفة أخبار البلد والحديث مع الأصدقاء كما للغناء والسمر فسحتهما الواسعة في المقاهي في ذاك الوقت، وعلى عكس البيت والعمل، يمكنك الحديث عن كل ما يدور في ذهنك ومشاركة الآخر أسئلتك العميقة وعما يدور فيك من فوضى مشاعرية ومواقف يومية صغيرة، هذا المكان الوحيد الذي ينساب منك الكلام فيه دون خوف وهو بقعة خصبة للتعرف على علاقات جديدة وصداقات متينة.

ولكن بداية انتشار المقاهي أو ما يعرف قديما ببيوت المقاهي؛ فكانت على طرق التجارة في اليمن وكانت تقدم القهوة للعابرين وبعدها انتقلت إلى الحجاز ومكة وعندما انتقلت للقاهرة تحولت إلى مشروع تجاري قائم في أزقة المدن وهنا كانت فكرة أن تدفع مالا مقابل شربك للقهوة وهناك من الممكن أن تجري محادثة عميقة مع شخص تعرفت عليه للتو فكانت تجربة فريدة من نوعها ومربكة في آن واحد وإيذانًا بثورة فكرية على وشك الاندلاع، ولم يمر وقت طويل قبل أن تنتشر هذه المقاهي في البلاد الإسلامية انتشارا فاق التوقعات، فبحلول عام 1623، كان في إسطنبول وحدها 600 مقهى.

/العُمانية/

أمل السعدية