الأخبار

دراسة للدكتورة نادية هناوي عن "الأقلمة السردية"
دراسة للدكتورة نادية هناوي عن

بغداد في 22 أبريل /العُمانية/ تطرح الباحثة العراقية د.نادية هناوي في كتابها الأخير "الأقلمة السردية.. مخابرها الغربية.. مناشئها الشرقية" الصادر عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر، عددًا من الرؤى المعرفية والإشكاليات الفكرية حول النظرية السردية.

ويتضمن الكتاب بابين رئيسين؛ يتتبع الأول مخابر السرد ما بعد الكلاسيكي في الغرب من خلال ثلاثة فصول هي؛ المرجعيات، والتوسيعات عند ديفيد هيرمان وبراين ريتشاردسون وبيو شانغ ومونيكا فلودرنك وجون زنغ، والتباسات الاستبدال أو "الميتالبسيس" والسارد والمسرود له وغير المسرود.

ويدرس الباب الثاني المناشئ الشرقية للسرد العربي القديم، في أربعة فصول، يهتم الأول بمشاعية التقاليد المتمثلة في أحادية التأليف والنزوع الوجداني والقاعدة الكلية والقالب التام والغاية التثقيفية. ويتناول الفصل الثاني انتقال التقاليد من خلال ثلاثة مباحث: يدور الأول حول اللاواقعية، ويتتبع الثاني تغلغل تقاليد السرد القديم في السرد الأوروبي الحديث، ويدرس المبحث الثالث تغلغل التقاليد في السرد العربي الحديث. ويهتم الفصل الثالث بالتنظير الغربي للسرد الروائي من أربع زوايا نظرية هي: وجوه التناظر، وندرة البحث عن الأصول، وجهود روجر الن ووائل حسن في دراسة تقاليد السرد الروائي. ويبحث الفصل الرابع في وفرة البحث عن النظرية عند جورج لوكاش وبرسي لوبوك وغيرهما.

ويلفت الكتاب النظر إلى طروحات منظري علم السرد غير الطبيعي، ومنهم براين ريتشاردسون الذي بنى منظورًا في تفسير الواقعية انطلق فيه مما وجده في نصوص روائية وقصصية من اللاواقعية التي تمثل الحياة تمثيلًا تضاديًا فاجترح مفهوم "اللامحاكاة" أو "السرد المضاد".

وترى الباحثة أن هذا الأمر ليس بالجديد، فقد سبق منظرون آخرون ريتشاردسون في مسألة الاستحالة والعبثية أو اللامعقول، وفيها سعى أصحابها إلى التمرد على النقل الموضوعي للواقع واستنكاره والتبرم من أي نزعة منهجية أو أكاديمية تدور حوله.

وتشير إلى أن منظري ما بعد البنيوية حاولوا السير في هذا الاتجاه، ساخطين على السلطات التي تقيد النظر إلى الواقع؛ كسلطة النص وسلطة المؤلف، ودعوا إلى فضاء قرائي متعدد الأبعاد، فيه للمؤلف والنص والقارئ حضور واضح كاستجابة لمرحلةٍ ما بعد حداثية تتفتت فيها المركزيات، وهو ما انعكس بدوره على الواقعية كتمثيل وفكر.

وتوضح الباحثة أن علم السرد ما بعد الكلاسيكي نشأ في ظل هذه الأجواء التعددية، فاستحدثت مناهج وأطر بحث مختلفة وجديدة في دراسة الواقعية. وتُعلل السببَ بما أخذت تؤديه مخابر البحث النقدي الغربية من أدوار بحثية تسعى من خلالها إلى تغيير خريطة الدراسات، فتحولت رجاحة الكفة من المدرسة الفرنسية إلى المدرسة الإنجلوأمريكية التي تبوأت القمة بفضل تلك الحركة المتصاعدة. وهي في كل يوم تثبت أمرًا جديدًا يؤكد قدرتها على إحراز التقدم النقدي بصرف النظر عن أصالة هذا التقدم وممكنات أدواره أو إشكالاته.

ويلاحق الكتاب مستجدات علم السرد، خصوصًا علم السرد ما بعد الكلاسيكي وما فيه من تطورات متلاحقة ومتسارعة، ومن ثم لا يجد الباحث العربي -كما تقول هناوي- مناصًا من أن يكون فاعلًا يضيف ويربط ويراقب ويتمم وربما ينافس أو يعارض أو يشخص.

ويولي الكتاب اهتمامًا كبيرًا بالرواية، فهي تأتي في مقدمة كشوفات الغربيين النقدية بوصفها اختراعًا أوروبيًّا محضًا نشأ في القرن الثامن عشر وتصنعت أصوله من تلقاء نفسها، وهو ما ترفضه المؤلفة موضحةً أن هناك تطورات حصلت وتحولات أسهمت في هذه النشأة بالإضافة إلى ما كان لآداب اليونان والرومان من تأثيرات في السرد الأوروبي.

وتشير هناوي إلى أن منظري الرواية فرضوا أفكارهم من دون تتبع تاريخ السرد منطلقين من أن الرواية كتابة أدبية جديدة عرفها الأديب الأوروبي وبلغ بها مرتبة التجنيس من دون مرور بمرحلة انتقالية.

وتأخذ الباحثة على النقد الراهن أنه بالرغم مما تشهده المرحلة من انفتاح عولمي، فإن الدرس النقدي غير قادر على الفكاك من قيود التبعية، بل هو متهيب من التحرر مع أن الانفتاح الذي يشهده العالم يبشر بعصر نقدي جديد، يمكن لنا أن نستثمره، ولكن جودة هذا الاستثمار تتوقف على طبيعة استعداداتنا وحقيقة تطلعاتنا.

وتتبلور أطروحة الكتاب في بابين: يدور الأول حول فكرة أن للسرد تقاليد صنعتها جهود من أبدعوها وانتقلت منهم إلى غيرهم وشاعت عبر الأجيال. فكان كل جيل أو أكثر "يبتدع نظامًا معينًا من جراء عملية تمثل تلك التقاليد، وما من ابتداع لنظام سردي إلا بعد استقرار تقاليده المتحصلة من سلسلة مخاضات معقدة وشائكة".

ويلفت الكتاب النظر إلى حقيقة وجود نظام سردي هو حصيلة تراكمات من التجارب التي تعكس تقاليد سردية يستوعبها الكاتب ضمنيًّا، فيُخضِع موضوعه لها فنيًّا. والمحصلة أشكال سردية لها عناصرها التي فيها يتمثل النظام السردي وفيه المؤلف فاعل على مستويين: الأول وظيفي ويتمثل في البناء التخييلي للعناصر السردية، والثاني مرجعي ويتمثل في اتباع التقاليد وتوظيف النظام.

وترى هناوي أن المنظرين الغربيين اهتموا بالمستوى الأول، وافترضوا أن المستوى الثاني ليس مهمًّا نسبيًّا؛ إما اعتدادًا بالنص أو بالقارئ، وإما خشية من أن يؤدي البحث في المرجعيات إلى الوقوع على تقاليد تعود أصولها وتراكمات أنظمتها إلى حضارة غير حضارتهم وإرث غير إرثهم، فقلل نقاد النظرية الأدبية من أهمية التنقيب عن المرجعيات وعدّوا الأدب نتاجًا متحرّرًا من صانعه، فبدا النظام السردي -كما تقول هناوي- عائمًا بإطلاقية لا زمان لها ولا مكان.

لكن ذلك برأي الباحثة لم يلغِ حقيقة أن الإبداع الأدبي نتاج تجربة فردية، اتبع صاحبها في التعبير عنها مسارات معينة فنية وموضوعية ضمن مرحلة تاريخية ما. وتؤكد هناوي أيضًا على أن كبريات الجامعات الغربية سعت إلى وضع موسوعات تجمع فيها التقاليد السردية عبر مراحل تاريخية محددة، معرِّفة الدارسين والباحثين بها، لكن ذاك السعي اقتصر على ما أنتجه الأدباء في العصور الحديثة مع النظر إلى تقاليد الأدبين اليوناني والروماني وصرف النظر عن تقاليد آداب الشرق القديم وحضاراته العريقة، وما في تلك الآداب من روائع المرويات التي هي نماذج لتراكمات تقاليد سردية تركت أثرها في الأدب الإنساني سردًا وشعرًا على اختلاف مراحله.

وهنا تكون أطروحة الكتاب قد وصلت إلى شقها الثاني، وهو أن الأدب العربي امتلك تقاليده التي كوّنها جراء ما انتقل إلى لغته من حكايات وأساطير أمم وحضارات قديمة ومجاورة، وأن منظري الأدب لم يوجهوا اهتماماتهم النقدية والمعرفية إلى إنجازات الآداب الشرقية والأدب العربي خاصة إلا بقولبتها في إطار نقدي مقارن أو استشراقي كولونيالي يبحث في التأثر والتأثير وليس في التأصيل والتقليد.

/العُمانية/النشرة الثقافية/عمر الخروصي