عمّان في 5 يناير 2026 /العُمانية/ تعدّ محمية الأزرق المائية واحدة من أهم وأندر البيئات الرطبة في المنطقة، وهي تمثل واحة طبيعية وسط الصحراء يصنفها العلماء والمختصون ضمن المواقع البارزة على المسار العالمي لهجرة الطيور بين أفريقيا وأوروبا.

وتقع المحمية في الصحراء الأردنية على بُعد أكثر من مائة كيلو متر شرق العاصمة الأردنية عمّان، وقد أُطلق عليها هذا الاسم لأنها كانت فيما مضى محاطة بالمياه الطبيعية التي تتدفق إليها من الينابيع.
وتمثّل المحمية محطة لآلاف الطيور المهاجرة، وهي تضم زهاء 350 نوعاً من أنواع الطيور، سواء تلك المقيمة أو المهاجرة في مواسم على مدار السنة، أو الطيور الجارحة التي تعيش في المرتفعات، أو الطيور المائية التي تفضّل العيش بالقرب من البِرَك، بالإضافة إلى اشتمالها على أكثر من 130 نوعاً من النباتات البرية، إلى جانب مجموعة من الزواحف والثدييات واللافقاريات وأغلبها من تلك الأنواع المهددة بالانقراض.

ويؤكد الباحثون أن المحمية تكوّنت منذ آلاف السنين نتيجةً لتغذية المياه الجوفية بالينابيع الطبيعية التي كانت تحيط بالمنطقة، وقد سمحت وفرة المياه وصفاؤها بظهور المناظر الطبيعية الخضراء الجاذبة لقوافل التجار والمسافرين ولأنواع متعددة من الطيور.

وفي الستينات من القرن الماضي، بدأ استنزاف المياه الجوفية من قِبل السكان والمزارعين واستجلابها لتلبية احتياجات المدن التي أخذت تنمو بشكل متسارع، مما أدى إلى جفاف العديد من الينابيع وتعريض النظام البيئي في المحمية للخطر وتقليل أعداد الطيور فيها، وهذا ما قاد إلى جهود رسمية وأهلية لإعادة تأهيل المحمية في منتصف التسعينات عبر ضخ المياه الصناعية وتشييد مشروعات بيئية كبيرة؛ بهدف إعادة تأهيل جزء من النظام البيئي واستعادة الأعداد السابقة من الطيور والأنواع الأخرى من النباتات والحيوانات.
وفي السنوات الأخيرة استعادت المحمية جزءاً كبيراً من الرطوبة التي فقدتها عبر ضخ المياه إليها وبناء الينابيع الصناعية، وأدى هذا إلى عودة الحياة لها شيئاً فشيئاً، ولعل أبرز مظاهر ذلك عودة الطيور التي كانت قد اختفت منذ سنوات، وإدراج محمية الأزرق المائية في قائمة اليونسكو للمواقع التراثية وأيضاً في القائمة الخضراء للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، وقد تم تصنيفها مؤخراً ضمن أحد أفضل مائة موقع مستدام في العالم من حيث السياحة البيئية.

وافتُتح بالمحمية "متنزه السلام" الذي يوفر فرصة للزائرين للتمتع بجمالياتها وتنوعها الطبيعي عبر مراقبة الطيور بأنواعها المختلفة وبشكل خاص في مواسم هجرتها، إذ تعد المحمية من أفضل مواقع مراقبة الطيور من مثل طيور الفلامنغو، والبط، والإوز البري بأنواعه، ومالك الحزين (البلشون)، واللقالق، والطيور الجارحة التي تحلّق على ارتفاعات عالية فوق الواحة، إذ تتحول المحمية في موسمَي الربيع والخريف إلى مسرح مفتوح للحركة والأصوات، حيث يمكن رؤية أسراب كاملة تحط فوق الماء ثم تقلع مرة أخرى.
كما توجد أبراج خشبية تسمح للزائر بمشاهدة الطيور دون إزعاجها، مع لوحات تعريفية بكل نوع، إضافة إلى مشاهدة أنواع مميزة من النباتات من مثل القصب والبردي المنتشر بكثافة حول المياه، والنباتات الملحيّة التي تنمو على أطراف المستنقعات، والنباتات الصحراوية، وهذا سمح بتدرج لوني في الغطاء النباتي من الأخضر والأصفر والبني، والمدهش أن هذه الألوان تتبدل تبعاً لتعاقب الفصول عليها.

وتضم مياه المحمية كائنات نادرة، أبرزها السمك الأزرق المهدد بالانقراض، وهو نوع من الأسماك الصغيرة جداً، وأنواعاً نادرة من الضفادع والحشرات المائية، ولعل من أكثر ما توفره المحمية لزوّارها فرصة التأمل في صمت المكان الذي لا يقطعه إلا صوت الطيور وتغير لون الماء مع حركة الشمس، والنسيم الخفيف الذي يلاعب أغصان القصب ومشاهد الغروب التي تخطف الأنفاس.
/العُمانية/ النشرة الثقافية/
شيخة الشحية
