عواصم في الأول من ديسمبر 2025 /العُمانية/تابعت وكالة الأنباء العُمانية بعضًا من الآراء حول قضايا متنوّعة تناولتها الصحف العالمية عبر مقالات نُشرت في صفحاتها وتطرّقت إلى سُبل مواجهة تهديد حرائق الغابات المتصاعد، ومعضلة الذكاء الاصطناعي في الصحافة إضافةً إلى التعامل مع إمكانات هذه التقنية بين التعظيم والحذر.
فقد نشرت صحيفة "ميل اند جارديان" الجنوب أفريقية مقالًا بعنوان "نداء دولي للعمل بشأن الإدارة المتكاملة للحرائق وتعزيز القدرة على مواجهة حرائق الغابات" بقلم الكاتب "تريفور أبراهامز".
استفتح الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن حرائق الغابات أصبحت من أبرز تجليات تغير المناخ وأكثرها تدميراً. فخلال العقد الماضي، تسببت الحرائق العارمة في أمريكا الشمالية وجنوب أوروبا وبعض أجزاء أفريقيا في خسائر بشرية واقتصادية وبيئية جسيمة، كما أسهمت انبعاثاتها الكربونية في تفاقم أزمة المناخ نفسها.
وبين الكاتب أن هذا التهديد المتصاعد قد حول حرائق الغابات إلى قضية ذات أولوية على الأجندة الدولية.
وأشار إلى أن الاستجابة المحلية لم تعد كافية لمواجهة حرائق تتجاوز الحدود، كما حدث عندما طلبت كندا المساعدة من 12 دولة في موسم حرائقها القياسي عام 2023.
ووضح أن هذا الإدراك قد انعكس في مبادرات دولية مثل ميثاق كاناناسكيس لمجموعة السبع، الذي دعا إلى تعزيز التعاون والإنذار المبكر والوقاية، وإنشاء المركز العالمي لإدارة الحرائق التابع لمنظمة الفاو، الذي يطور نهجاً متكاملاً للإدارة إضافةً إلى تحذيرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة من زيادة وتيرة وشدة الحرائق بسبب تغير المناخ.
ولفت إلى أن الدول النامية هي الأكثر معاناة، حيث تحول الكوارث المتكررة الموارد بعيداً عن أولويات التنمية الأساسية.
فقارة أفريقيا على سبيل المثال، هي القارة الأكثر تضرراً والأقل استعداداً في هذا الجانب.
ووجه الكاتب الانتباه إلى مفارقة خطيرة: فمع أن أفريقيا تمثل 63% من المساحة المحترقة عالمياً سنوياً، إلا أنها تتأخر بشكل ملحوظ في تطوير أطر التنسيق الإقليمي.
ويُحمّل الكاتب هذا التأخر لـ "محدودية الاستثمار" في الوقاية ونظم البيانات والقدرات المؤسسية، مؤكدًا على أن الهدف في أفريقيا ليس القضاء على الحرائق تماماً – فهي عملية بيئية طبيعية في العديد من النظم – بل إدارتها بفعالية للحد من آثارها الضارة، خاصة مع ارتفاع مستويات الضعف الاجتماعي والاقتصادي.
وعبر عن رأيه بوضوح من خلال الدعوة إلى تحويل "التركيز العالمي" إلى "دعم مباشر" للمجتمعات الأكثر تضرراً.
ويرى الكاتب أن الحلول موجودة ومجربة، ويقدم رؤية متكاملة تقوم على: أولًا/ التمويل المنتظم ويعني ضرورة توجيه التمويل الدولي للمناخ والقطاع الخاص نحو الحد من مخاطر الحرائق، وعدم الاقتصار على الإغاثة الطارئة.
ثانيًا/ تعزيز البيانات المحلية ويعني تطوير أنظمة بيانات معايرة محلياً لتوجيه صنع القرار، بدلاً من الاعتماد على المنتجات العالمية فقط.
ثالثاً/ التعاون الإقليمي ويعني إنشاء أطر تشغيلية مشتركة تمكن الدول من تبادل المعرفة والموارد والاستجابة معاً للحرائق العابرة للحدود.
رابعًا/ تبني النهج المتكامل ويعني نشر نموذج الإدارة المتكاملة للحرائق الذي تتبناه جنوب أفريقيا، والذي يجمع بين الوقاية المجتمعية، والتأهب، والإخماد، وإعادة التأهيل.
وخلاصة القول في نظر الكاتب هو أن التوقيت الحالي يمثل فرصة تاريخية لأفريقيا لتصبح شريكاً فاعلاً في صياغة الأجندة العالمية، مستفيدةً من معرفتها البيئية الواسعة ونماذجها الناجحة مثل برنامج جنوب أفريقيا، شريطة أن يترجم الاهتمام الدولي إلى استثمارات حقيقية في المناطق الأكثر عرضة للخطر.
من جانبه، يرى الكاتب "دوغان إشكينات" وهو مُراسل صحفي، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا في الصحافة، ولكن لا ينبغي أن يحل محلها أبدًا.
واستهل مقاله الذي نشرته صحيفة "ديلي صباح" التركية بالإشارة إلى أن في عصر الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، تواجه الصحافة تحدياً وجودياًّ.
ووضح أن القيمة الفريدة للصحافة لا تكمن في سرعة نقل الخبر، بل في كونها "قوة للخير" تعتمد على الحكمة الإنسانية والدقة والضمير.
وأضاف أن الصحفي الحقيقي هو من يغامر بالذهاب إلى مواقع الأحداث، ويدقق في الوثائق، ويبني استنتاجاته على الخبرة والنزاهة، ليكون بمثابة "الفلتر البشري" بين الجمهور والواقع.
واعترف الكاتب بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة ممتعة ومفيدة في بعض المهام الروتينية، مثل تصحيح القواعد النحوية أو تحرير النصوص، ولكن المشكلة تبدأ عندما يُدعى لأداء مهام حيوية.
واستشهد بحادثة نشرت فيها "دير شبيغل" –أحد أعرق المنشورات الأوروبية – مقالاً احتوى على نصوص خام منقولة من "شات جي بي تي" دون تدقيق.
وأكد الكاتب على أن هذا الخطأ لم يكن تقنياًّ، بل كان دليلاً على "غرفة أخبار نسيت وظيفتها"، حيث تجاوزت الأداة جميع الحراس البشريين من محررين ومراجعين.
ومن وجهة نظره فإن المشكلة الحقيقية تكمن في الإهمال البشري وليس التكنولوجيا.
ولفت إلى أن الذكاء الاصطناعي نفسه ليس العدو، بل هو مجرد عارض لمرض أعمق. فالضغوط المالية الهائلة على المؤسسات الإعلامية أدت إلى إغلاق المكاتب الخارجية، وتقليص الميزانيات، واستبدال المحررين المخضرمين بهياكل "أخف وأرخص".
وبين أن في هذا المناخ، يُتوقع من الصحفيين إنتاج كمّ هائل من المحتوى بسرعة قياسية، مما يحول الذكاء الاصطناعي من "مساعد" إلى "عٌكاز" يُعتمد عليه لتعويض النقص في القوى البشرية.
وخلص الكاتب إلى رأيه بوضوح وهو أن الأدوات لا تحل محل البشر، لكن البشر يحلون محل أنفسهم عندما يتوقفون عن أداء عملهم الأساسي. وإذا أسندت الصحافة مهامها الجوهرية – مثل التحقق من الحقائق والتحرير – إلى الذكاء الاصطناعي دون إشراف، فإن الثقة والمساءلة سيتآكلان والمهنة ستنهار من الداخل.
وأكد على أن الذكاء الاصطناعي لا يملك القدرة على شم رائحة الكذب- على حدّ وصفه- أو إدراك دلالات الصمت في منطقة حرب، أو تحمل المسؤولية الأخلاقية.
ويرى أن قيمة الصحافة الحقيقية تكمن في الضمير والتشكيك والوضوح الأخلاقي. وإذا ضاعت هذه القيم، فلن يكون الذكاء الاصطناعي هو من دمر الصحافة، بل سيكون الإهمال البشري هو المسؤول.
وفي سياق متصل، أشار الكاتب "كيم سونغ كون" وهو أستاذ فخري للغة الإنجليزية في جامعة سيول الوطنية، إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً حتمياً يغزو كل مجالات حياتنا، من هواتفنا الذكية وسياراتنا إلى عمليات البحث والتعلم. ولم يعد خيالاً علمياًّ، بل تحول إلى أداة لا غنى عنها وشريك مفيد نتوجه إليه بسؤالنا اليومي: "ماذا كنت سأفعل بدونك؟".
وأكد في مقاله الذي نشرته صحيفة "كوريا هيرالد" على أن الذكاء الاصطناعي، رغم فائدته، ليس مثالياًّ بعد، ولكنه يتجه بسرعة نحو الكمال التقني.
ويرى أن هذه القوة الناشئة تحمل وجهين: أولًا وجه المنفعة، إذ يمكن أن يحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في مجالات حيوية مثل التعليم، حيث يوفر معلمين مخصصين لكل طالب، وقد يؤدي إلى إعادة هيكلة الأنظمة التقليدية القائمة على التلقين والحفظ.
ومن ناحية أخرى فإن الوجه الخطر يتعلق بالسلبيات الواضحة، مثل تسهيله للانتحال الأكاديمي دون شعور الطلاب بالذنب، وتسببه في استبداله للبشر في وظائف عديدة، من الصرافين إلى الأطباء والقضاة. بل وقد يتطور الأمر إلى تهديد وجودي إذا حاول الذكاء الاصطناعي السيطرة على البشر باعتباره أذكى منهم.
ووضح الكاتب أن ردود الفعل تجاه هذه التكنولوجيا تنقسم بين فريقين: فريق منبهر يتقبلها دون تحفظ، وآخر ناقد يحاول رفضها وإدانتها.
ويرى أن كلا الموقفين إشكالي. وبدلاً من ذلك، دعا إلى تبني "طريق الوسط"، وهو موقف متوازن يقوم على الإدراك الواعي لأهمية الذكاء الاصطناعي وعدم تجاهله، والحذر الدائم من مخاطره المحتملة وعدم الاستسلام له بشكل أعمى.
واستشهد بتجارب تاريخية مُشابهة، مثل ظهور التلفزيون الملوّن والحواسيب والكتب الإلكترونية، حيث تنبأ البعض بنهاية السينما والكتب الورقية، لكن الواقع أثبت أن هذه التقنيات الجديدة لم تقض على القديمة، بل تعايشت معها وازدهرت بفضلها.
وخلص الكاتب إلى أن مصير الذكاء الاصطناعي، كأي تكنولوجيا سابقة، يعتمد في النهاية على كيفية استخدامنا له. فالخيار ليس بين القبول المطلق أو الرفض الكامل، بل بين التطويع والسيطرة.
وفي هذا السياق، يرى أنه من الواجب علينا أن نعمل على تعظيم إمكاناته إلى أقصى حد لتحقيق منافعه، وفي الوقت نفسه، نرفض بشكل قاطع السماح له بالسيطرة علينا أو التلاعب بنا.
/العُمانية/
أحمد صوبان
